فخر الدين الرازي

184

النبوات وما يتعلق بها

الفصل الخامس في بيان أن اثبات النبوة بهذا الطريق أقوى وأكمل من اثباتها بالمعجزات اعلم : « 1 » أن التمسك بطريق المعجزات من باب برهان الآن . وهو الاستدلال بالأثر على المؤثر على سبيل الاجمال « 2 » . فانا نعرف بظهور المعجز عليه - عليه السلام - كونه مشرفا عند اللّه على سبيل الاجمال ، من غير أن نعرف كيفية ذلك الشرف . وأما هذا الطريق الثاني فهو من باب برهان اللم وذلك لأنا بينا : أن الأمراض الروحانية غالبة على أكثر النفوس ( فلا بد لهم من طبيب . ونشاهد : أن هذا الرجل معالج . ويؤثر علاجه ، ويفيد الصحة بقدر ) « 3 » الامكان . فهذا يدل على كونه طبيبا حاذقا في هذا الباب . وحينئذ يظهر : أن هذا الانسان لا حاجة به في معرفته ، إلى أن يكون عالما بدقائق ( المنطق والهندسة والحساب . بل كونه عالما بها ، مشتغلا باستنباط دقائقها ) « 4 » مما يضره في كونه مستغرقا في معرفة اللّه تعالى . وعند هذا تزول جملة الشبهات المذكورة في باب نفى النبوات . فإنه دلت المشاهدة على أن محمدا - عليه السلام - كان طبيبا حاذقا في علاج هذه الأمراض كما بيناه ، بل كان روحه قدرت على قلب طبائع أهل الدنيا ، فنقلهم من الباطل إلى الحق ، ومن الكذب إلى الصدق ومن الأديان الفاسدة إلى العقائد الصحيحة بقدر الامكان . وأما قولهم : « ان النسخ كلام لا فائدة فيه » . فنقول : قد ذكرنا أن الشرائع على قسمين : عقلية لا تقبل النسخ . وحاصلها يرجع إلى ما ذكرناه في قوله عليه

--> ( 1 ) الخامس عشر في بيان اثبات النبوة . كما حصلت لمحمد عليه الصلاة والسلام : ( ت ) . ( 2 ) الاجمال ( ت ، ط ) الاحتمال ( طا ، ول ) . ( 3 ) سقط ( ت ) . ( 4 ) من ( ل ، طا ) .